الرئيسية
سيرة مؤجلة
بيت القصيد
فتنة الكتابة
غواية الكلام
واعدوا لها ما استطاعوا
ماء الحوار
رسائل الغياب
صحراء الدهشة
بلاغة الوصل
مساحة لغواياتكم
بريد
 

 
» عمر ادلبي ، أوان ( الكويت) 24 نوفمبر 2009.

سعدية مفرح.. مفارقات الفطرة الشعرية
عمر إدلبي
لا يمكن للباحث أن يمر على المشهد الشعري الكويتي دون أن يتوقف طويلاً أمام تجربة الشاعرة سعدية مفرح، نظراً للبصمة المميزة، والألوان الخاصة التي أضافتها قصيدتها إلى ديوان الشعر الكويتي المعاصر. منذ أن صدرت مجموعتها الشعرية الأولى «آخر الحالمين كان» في العام 1990، بدا واضحاً ان هذا الصوت الشعري، يبحث بجدية عن فضائه الخاص، رغم أنه لم يكن خالصاً لصاحبته تماماً آنذاك، وبدا تنويعات جميلة على أوتار الآخرين، لكنه سرعان ما اتجه لاجتراح خصوصية ما، تشي بطموح شاعرتنا، ابتداءً من مجموعتها الثانية «تغيب فأسرج خيل ظنوني» في العام 1994، ومجموعتها الثالثة «كتاب الآثام» الصادرة في العام 1997.

فطرية اللغة والتركيب الشعري في قصيدة سعدية مفرح تجعل تجربتها في الطرف المقابل، بل النقيض لما درجت عليه مدونة قصيدة النثر العربية، ونعني بذلك سمة استخدام اللغة العادية التي تفتقد الشعرية من جهة، وسمة التكثيف اللغوي والتركيبي المفرط، الذي يصل حد الغرائبية وأوصلها كما نزعم للخروج من ألواح الشعر، من جهة ثانية.

فالشعر، فنٌ يفقد خاصيته كفعالية إنسانية لغوية وشعورية جمالية، عندما يفقد قدرته على التأثر والتأثير، وينحاز إلى ذاتٍ منغلقة على هواجسها وعقدها وآمالها وآلامها الفردية، ما يجعل النص منتجاً لعلاقات داخل اللغة، لا تهتم بالمعنى، وجماليات طرائق التعبير عنه.

شاعرتنا إذن، تكتب اليوميات والهامشيات في الحياة، ولكنها تنصت وتتأمل قبل أن تكتب، وتنشغل بالتجربة الذاتية، وتكسر الأنماط التي سئم المبدع والمتلقي سماعها، ولكنها لا تنسى ان جماليات الشعر تستلزم عدم تجاوزه إلى كلام لا روح فيه، ولا دلالة، فقط من أجل كسر أفق التوقع عند المتلقي، على نحو ما سار عليه جمهرة بعدد النجوم والحصى والتراب من كتّاب قصيدة النثر.

الشعر لم يكن في يوم من الأيام أوزاناً وقوافي فقط، هذا ما يثبته نص سعدية مفرح الشعري المكتوب نثراً، الذي لا يمارس قطيعة معرفية مع المواضيع التي تشكل مشتركاً بينها وبين المتلقي، كما أنه لم يمارس قطيعة فنية على صعيد بنيته وتراكيبه اللغوية مع منطق بناء الجملة في اللغة العربية، فالنص عندها، نثرياً كان أم موزوناً، يتأسس على مبدأ الانتظام فنياً وجمالياً، وهو مبدأ لا يمت بصلة إلى النقيضين، الفوضى والنظام.

قصيدة شاعرتنا بناءٌ لغوي جمالي، وتجريب حداثي يقوم على تجربة ذاتية، لا يغفل منجزها النصي عن مرجعياته الشعورية، وتأثره موضوعياً بالعالم والواقع، وهو ما يجعل تناول النص للحياة فطرياً يعتمد الإحساس، ومركباً باستناده إلى تعبيرات تنتظم بإيجاز، وشمولية، وكثافة. أما النقلات الأسلوبية التي شهدتها تجربة شاعرتنا خلال ست مجموعات صدرت لها، فهي كثيرة ومتنوعة، ونميل إلى التركيز على أسلوب المفارقات، اللفظية منها والدلالية، الموسومة بطابع تأملي، فلسفي، صوفي إلى حد ما، تتوسل الانعتاق من الذات الآسرة والأسيرة، مع تمجيدها أيضاً، ومشاكسة المحيط الاجتماعي، بصياغات تعبيرية يكفل لها أسلوب المفارقة تسليط بقعة ضوء كاشفة على الأبيض والأسود، ما يتيح إقامة حوار شفاف مع الذات والآخر، حوار يصل بلا رتوش ولا مواربات إلى المتلقي، بالاقتصاد ما أمكن في الصياغات التي تعتمد الرموز ذات الدلالات المركبة.

مفارقات الحضور/ الغياب، والجموح / الخنوع، والكلام / الصمت، وغيرها الكثير من المفارقات التي تتأسس عليها بنية الخطاب الشعري تنتظم في إطار تقنية التوازي، وهي تقنية برعت شاعرتنا في توظيفها دلالياً وفنياً، وإذا كانت وظيفتها الدلالية في سياق التعبير عن المعاني وأضدادها تؤدي دورها المنشود كما تطالب به نظريات التأويل والتلقي، فهي بالمقابل تؤدي دوراً وظيفياً لا يقل شأناً على صعيد البنية الفنية، خاصة فيما لو جرى الاهتمام أكثر بتنقيح النص من عادية بعض الجمل، وهو ما لا يجد الشعراء إليه سبيلاً في كل وقت، أمام افتتانهم بأثر تلك الجمل ذاتياً عليهم، في حين لا تشكل للآخرين مصدر فتنة بالدرجة ذاتها.

أن تبرع شاعرتنا في قصيدة النثر بدايةً، يعني أنها حشدت لنصها ممكنات نجاحه، وهي بالضرورة تشتمل على إمكانية بناء نص يستحوذ على القارئ ذهنياً وحسياً، وليتمكن من ذلك وجب على الشاعرة امتلاك أدوات إقامة علاقة إيقاعية داخلية في قصيدة النثر، وهو ما استثمرته فيما بعد في نصوصها الموزونة، وأعطاها ميزة إغناء النص بموسيقا داخلية وخارجية بآن، ويمكن للقارئ أن يتلمس هذا التعاضد في أكثر من نص من نصوص مجموعاتها الثلاث الأخيرة، «مجرد امرأة مستلقية» الصادرة في العام 1999، و«تواضعت أحلامي كثيراً» في العام 2006، و«ليلٌ مشغول بالفتنة» التي أصدرتها في العام 2008.

وما زلنا بانتظار المزيد من الشعر المشغول بفتنة الفطرة الشعرية.

omar.edelbi@awan.com


تاريخ النشر : 2009-11-24



 

وأعدوا لها ما استطاعوا .......
مقالات وبحوث ودراسات حول تجربة الشاعرة بعضها متوفر في الموقع حاليا ، والبعض الآخر قريبا .......

 

Copyright © 2001-2008 Saadiah Mufarreh. All rights reserved Website powered by Subdreamer CMS