» احمد علي هلال ، جهينة ( انترنت) ، 3مارس 2009
سعدية مفرّح: عازفة الليل يزخر المشهد الإبداعي الخليجي بتجارب عديدة ومتنوعة لها حساسيتها وخصوصيتها، ولاسيّما في الربع الأخير من القرن العشرين، حيث أصوات لها مساحتها وحضورها وأداؤها، لكن ما يميزها، ليس حساسية التجربة ذاتها فحسب، وإنما ما تشي به من إحالات ومرجعيات ثقافية وحضارية، وما تفصح عنه من تشكيلات معرفية وتاريخية ولغوية، ساحرة العمارة وافرة الظلال المضيئة، على أن التكلم عن عمومية المشهد لا يقطع الصلة أبداً، عن خصوصياته في التجربة الشعرية المتحققة لدى أجيال ما زال الشعر وكينونته، فضلاً عن العلاقة مع الكتابة، يمثل هاجسها الأبرز. جهينة- أحمد علي هلال: ولعل التجربة الشعرية الكويتية تعدّ مثالاً، لتلك الهواجس والإرهاصات والعلامات (الحداثية والتجريبية)، وفي راهن المنطقة الخليجية، ثمة مقترحات شعرية جمالية ووجودية تنهض بأسلوبيتها، عبر أسماء وأصوات تتوزع على خارطة الشعر، منها عالية شعيب ونجمة إدريس، وغنيمة زيد الحرب، فهي لا تختزل فرادة الصوت النسوي وتجلياته الكثيرة، لكنها بوصفها دالّة الربع الأخير من القرن العشرين، ستصبح الأكثر دلالة على حراك جديد في بنية النص الشعري وشواغله وسيرته وكيفية توظيف متخيله الشعري- إن جاز التعبير- فضلاً عما يتيحه التأويل من مستويات عدة. من تلك المسافة المترعة بالاختبارات الواعية والبحث عن المعادل الشعري للحياة، وبوعي المغامرة الشعرية، يجيء صوت الشاعرة والناقدة والصحفية سعدية مفرّح، مؤشراً على حضور تجربتها باختلافها وتدفقها واستبطانها لشعرية الحياة، ومفارقتها لبلاغة القصيدة- التقليدية- لتناوش حداثة ذهاب مجتهد لأنا القصيدة، لتفتح أفقاً واسعاً للقراءة، التي تحتفي بالمعنى الإنساني وكينونته المغيّبة. الصحافة الملاذ الأول.. على الأرجح أن الإعلام بات يلعب دوراً كبيراً في تهيئة المناخ ليكتشف المبدع أو المبدعة ذاته، يتأملها فتتولد شرارة الاحتكاك مع كتابة نوعية تمتحن على الدوام أدواتها ورؤيتها، إذ تعترف الشاعرة سعدية مفرّح بفضل الإعلام في تعزيز دورها كشاعرة، فهي مدينة للصحافة منذ أن عملت فيها خلال سنوات مراهقتها الأولى، وقد ساعدتها بشكل أو بآخر على تسهيل عملية النشر، واكتشاف ذاتها ككاتبة وتقبّل الرأي الآخر النقدي، وخلق مناخات التواصل مع الأدباء والمثقفين الكويتيين والعرب... وهكذا أسفر منجزها الشعري عن عناوين لافتة هي: "آخر الحالمين كان، تغيب فأسرج خيل ظنوني، كتاب الآثام، مجرد مرآة، تواضعت أحلامي كثيراً، حداة الغيم، ليل مشغول بالفتنة". ويمكن لها أن تذهب في بحث تروي فيه سير مبدعات عربيات منهن سعاد حسني- الفنانة الأكثر إثارة للجدل في حياتها ورحيلها، والتي شغلتها بسيرتها الفنية الإشكالية، سيحمل البحث عنواناً رمزياً شديد الإيحاء هو "ليه يا بنفسج". لماذا سعاد حسني؟! يمكن لزوّار الشاعرة سعدية مفرّح، أن يروا صورة للراحلة سعاد حسني، تحتل مساحة كبيرة في مكتبها، ربما جلس فيه ذات يوم المبدعان الكبيران ناجي العلي وهاني الراهب ليصبح أكثر حميمية وانشغالاً بقضايا معينة، تقول سعدية مفرّح: كثيرون يتساءلون عن هذه الصورة على جدار مكتبي وهي نادرة بالأسود والأبيض، تبدو فيها عينا سعاد حسني مضيئتين باهرتين وحزينتين على الرغم من الابتسامة والملامح الجميلة! وهنا تعلّل الشاعرة أن ارتباطها بها يعود إلى أنها من تجلّيات زمن الستينيات الجميل في الذاكرة العربية، التي نشأنا على أطرافها منتشين بما حققته لنا، على الرغم من النهاية البائسة للتجربة كلها، وربما لأن هذه الفنانة بالذات كانت صورة إنسانية للعربي في طموحه الذي صعد به من مدارج الفقر والبؤس والحاجة إلى مجد الحلم الملون، قبل أن يهوي به إلى مهاوي الردى في النهاية، كلنا نحمل جزءاً من ذلك الحلم. أقانيم متعددة.. وقلق إبداعي مستمر يتعدد عالم الشاعرة، ويتلوّن في فضاءاته المنسوجة من قلق الأنثى ووجعها وشغفها، فهي تحرص على وجود المتلقي لشعرها، دون أن تسبقه بالإشارة إليها، ليجد أن ثمة تنويعاً في قصائدها، فتحضر الطفولة، كما المرأة، والحب والوطن، وفلسطين، تنتج نصها الشعري- إذاً- دونما طقوس لاستقبال القصيدة، هي أسيرة الحالة والغواية، بل اللحظة الشعرية بامتياز، لتعيد تكونها الشعري والثقافي نتاجاً لما قرأته وتعلمته (تراكمياً) وهي قرأت لمعظم الشعراء العرب في مراحلهم المختلفة ودرست الكثير من تجاربهم الإبداعية، لكنها لا تتوسل القضايا الكبرى طريقاً (شعاراتياً) نحو المتلقي، وتنحاز كما تقول للقصيدة البسيطة التي لا تشبه سوى شاعرها، وكثيراً ما تردد بأنها تشك بشاعريتها الحقيقية أو في أنها شاعرة حقيقية، هل مردّ ذلك إلى قلق المبدع أم مكابدات الإبداع؟! تقول الشاعرة سعدية مفرّح إنها كلما نشرت مجموعة شعرية جديدة تشعر بأنها ستكون الأخيرة، وكلما وضعت نقطة أخيرة على السطر الأخير من أي قصيدة تشعر بأنها المرة الأخيرة التي ستعرف فيها كيف تكتب القصيدة. إذ لا تعريف لديها للشعر ولا ملامح واضحة لصورته في المرايا، بمعنى أنها لا تعرف كيف يأتي ومتى وإلى أين سيمضي بنا، ومتى يقرر هجرنا، تكتب ما يجيش بين جدران روحها، ولا تعرف على وجه اليقين النهائي، ما إذا كان ذلك هو الشعر أم لا؟! هكذا تقارب غواية الشعر اللذيذة، وسؤال التجاوز والاختلاف، وكتابة الهواجس المعرفية حينما تعود إلى- الصحافة- في لحظة انكشاف فكرية وفلسفية لتعيد تأويل ذاتها الشاعرة في تجلياتها. أحلام الطفولة المتأخرة ثمة حلم من أحلام الطفولة المتأخرة، ما زال يسكنها حتى الآن، هو أن تكون مخرجة سينمائية... وتقول إنها مهنة تعطي ممتهنها فرصة حياة كاملة ببشرها وأماكنهم ومصائرهم وعواطفهم من دون تدخل أحد، ربما لأنها تسهم في نشر السحر الشاعري الجميل في ساعة أو ساعتين، فتضيف إلى ذائقتنا الكثير من الجمال والتفاؤل، ففي قصيدتها "سيناريو" من مجموعتها "آخر الحالمين كان" تبرع الشاعرة في رسم مشاهدها بل مشهدياتها النسوية والذكورية لامرأة تحتمي بظل جدار، مشهد داخلي تأخذنا فيه نهاراً فمساءً، تتحرك عدسة شعرية لتروي، دون أن تغفل عن بثّ رؤيتها لما يبدو من درامية المشاهد والذاكرة المثقلة بالأحزان، والوصف الذي لا يستثني "كادراً" "طعمه مرير في غيهّ سادر". جبل الكلام لا تحيلنا مساءلة منجز الشاعرة سعدية مفرح إلى صيرورة النص وأشكاله النسوية فحسب بل الإنسانية كذلك، في تعالقه الحدسي والحسي، وكثافته اللغوية ليصح القول إنه يشي بتجربة تنفتح على مدارات جمالية تتكامل مقرّبة للذائقة حرارة السرد الشعري، لا مضاعفة تأنيث التجربة على مستوى اللغة والخطاب مروراً بالقافية، وإنما الميل إلى "ترميز النص" وتخصيبه بالمجاز الضروري، ليصبح حالة، أو سيرة مفتوحة لجدل الذات والآخر في مرايا عالم أكثر رحابة تارة، وأشد كثافة تارة أخرى. منعطف جمالي سِيَري لعل ديوان الشاعرة "ليل مشغول بالفتنة" سيأخذنا إلى كفاءة الوظيفة الشعرية والدلالية، على الرغم من أنه يمتح من السيرة الذاتية وتجلياتها الرؤيوية، ثمة قصيدة طويلة تنهض على حدث سردي، جمعي بتواتر الأزمنة والأمكنة، وفعل التخييل بالتوازي مع "حقيقة" متعددة الأبعاد، هي حقيقة الذات المبدعة وسط صراعات ومكابدات مع واقع أو وقائع أقرب إلى رحلة للذات واستبطان ذهنية ما، ومناوشتها كما الوقوف على معنى وإنتاجه شعرياً، وابتكار أسئلة جديدة لتلون رماد النهارات المملة، تنسج صورها بخيوط مواربة، تكتفي بالقول الشعري الذي يهب قارئه حرية التجوال في الأماكن العالية لينكشف له ما هو مرئي أو خفي، وفي نسيجه المتراص يتماهى "بصوفية" مضمرة أو معلنه، يصبح النص روحاً يكتفي بالبوح، بوح الأنثى العتيق لتصير إلى كينونتها الطليقة، إلى أن تتكامل مفردات سيرتها الروح والجسد وبما يتبقى منهما، ذاكرة تروي ما حدث وما سيحدث، لينعتق صوتها المتداخل في ثنائيات الولادة، الموت، الحب، الغياب، الوجود، العدم، وهكذا تقارب الشاعرة سيرتها بقصد شعري، موشى بحواريات الأنا وأطيافها، بما يشكل منعطفاً جمالياً يأخذنا إلى تخوم لحظة إنسانية شقية أو سعيدة، في ترجيعها زمانياً ومكانياً وثقافياً واجتماعياً... لتحرز بلاغة شعرية منتظرة، ما بين الصورة والدلالة، والتراكيب المشغولة بقدر محسوب من مغامرة حواس عارفة تتلو شعريتها، الفائضة بتفاصيلها ومرجعيتها وعلاماتها اللغوية تأسيساً لدهشة فطرية، شعرية مموسقة بوحدتها العضوية وزخم فعلها الذي يتجاوز قولها بأن المحاولة "تبرير جيد لكل فشل بشري"، لكن محاولة الشاعرة سعدية مفرح تشغل قارئها ولا تتركه، دون مغالاة أو سعي للتأريخ، وتأسيساً باذخاً "لميثاق" السيرة وبكيفياتها الإبداعية بانفتاحها على أقصى حدود المغامرة بين الشعر والحياة، بعيداً عن العزلة واستدراكاً لصمت يقول كثيراً. سعدية مفرّح في سطور: رئيسة القسم الثقافي في جريدة القبس وكاتبة في مجلة العربي الكويتية. شاركت في تقديم ديوان الشعر العربي في الربع الأخير من القرن العشرين. أصدرت لها مجلة العربي مجموعة شعرية للأطفال بعنوان "النخل والبيوت". ترجمت كثير من قصائدها إلى عدد من اللغات الأجنبية مثل الإنكليزية والفرنسية والألمانية والطاجيكية والفارسية. صدرت عن تجربتها كتب ودراسات عربية وإنكليزية أهمها كتاب (انتحار الأوتاد في اغتراب سعدية مفرّح) للناقدة العمانية سعيدة بنت خاطر الفارسي. توقفت عن إلقاء الشعر والمشاركة في أمسياته لأسباب تتعلق برؤيتها النقدية لأمسيات الشعر بشكل عام. تنتمي لجيل شعري اهتم بكتابة القصيدة الجديدة بتجلياتها المختلفة وكتب عن تجربتها النقاد العرب في كتب وبحوث ودراسات ومقالات باللغتين العربية والإنكليزية. حقق ديوانها (ليل مشغول بالفتنة) أعلى نسبة مبيعات في معرض الكويت للكتاب الثالث والثلاثين.
|