| |
» سعد الياسري ،مجلة البيان(الكويت) ، اذار 2009
حين تتوهّج " سعديّة مفرّح " و لمْ تمسسْها نارٌ ديوان : ليل مشغول بالفتنة للشاعرة : سعديّة مفرّح قراءة : سَعْد اليَاسِري مدخل : لعلّ الشّعراء معنيّون أكثر من غيرهم بالتخلّص من السردية التي قد تجعل من النص الشّعري غذاءً منزوع الدسم يمكن تخصيصه لمرضى الذائقة . إذ قلّما صادفتُ (شاعرًا | شاعرةً) يعتني بالسردية دون أن يتلف الشِّعرية في نصّه دون قصد منه بالطبع . أمّا اليوم فأقف أمام ديوان شعريّ رصين و شهيّ (ليل مشغول بالفتنة) صادر عن (دار مسعى - الكويت) بالتعاون مع (الدار العربية للعلوم - بيروت) ، و يقع في ثمانين صفحةً من القطع المتوسط ، اجتهدت مبدعته الشّاعرة (سعديّة مفرّح) في القبض على مجد الدهشة من أطراف ثلاثة : الشعرية و النثرية و السردية . وجوه : في الواقع ؛ يتعكّز النصُّ بمرفقين قويين على صوت الراوي ، والذي تحاول الشّاعرة أن تكون منصفةً في استخدامه .. وأظنّها كانت كذلك ؛ رغم ميل هنا أو هناك مع الهوى الأنثوي ، أو انحياز إلى جانب الضحيّة . و لربّما كانت هناك إشارة جامعة لتلك الشخصيّات في النصّ : ينامُ بعيدًا عنكِ و عنها ، وعن قلبه المتهرّئ دخانًا . [ص 21] هنا نستطيع تحسّس الشخصيات الرئيسة (هو | هي | أنتِ) بالإضافة إلى ما أسلفنا عن صوت الرواي الذي يمكن اعتباره الشخصية القيادية الأهم .. إذ لا تتوانى عن إطلاق معايير وقيم تسم بها وجوه الشخصيّات . فتصف أحد وجوه المرأة بما تقتضيه لحظة الخسارة اللاذعة : ... بأنّكِ العاقر في أرض الخصب ، و أنّكِ الباكية في بستان الفرح ، و أنّكِ الكسيحة في حلبة الرقص ، و أنّكِ العمياء في حفلة الألوان . [ص 44] فيما كان وجه المرأة الآخر ينال حصّته من الدلال : تدسّين الهاتف الصغير .. المكتنز بلذائذ الكلام المكتوب تحت مخدّتك ، تتوهّجين ؛ تضيئين ولم تمسسك نارٌ ، تتراكمين على ذاتك نورًا على نور .. تستحلبين اللّذائذ المخبوءة في بوتقة التكنولوجيا .. شبقًا سورياليًّا ، يستغرقك الشبق المستتر حتّى النهاية .. شمسًا ضاحكةً . [ص 47 – 48] و وجه آخر لامرأة بذاكرة جيدة و حاضر شحيح : بطرف شالك .. تمسحين ما تبقّى من حمرة شفتيك المتآكلتين . [ص 57] و تتواشج مع الإرث : للنساء حيلهنّ السريّة ؛ بين تجاويف كيدهنّ العظيم . [ص 27] وتكره ثياب الحداد و أزياء الموروث : ملفعةً بالأسود القاتم رغم أناقته المستعارة . [27] أو في كلّ قميص جديدٍ ؛ بورود ناعمةٍ ، وألوان مبهجةٍ ، و أزرارٍ مصنوعة من الصدف اللاّمع .. تلبسينه تحت أسودكِ الأبديّ . [ص 42] و تنعى فقدان الرجل في أحد وجوهه : الرجل الذي فقدتِه منذ أربعين عامًا .. أو يزيد قليلاً ؛ في زحمة الولادات المتشابهة لليتامى المتشابهين . [ص 11] وتصف وجهه الآخر باللهو : تتسلقين معراجك البدائيّ .. نحو جبّ الغَواية بين عيني الرّجل اللاّهي ؛ حيث يلهو فتألمين . [ص 29] و تلوم وجهه القاسي : يسافر .. لعلّه يسافر هكذا فجأةً ، بين نورٍ ونارٍ يقرّر أن يغيبَ ، بانتظار أن تتروّض المهرة الغبيّة . [ص 48] وتعاتب إرثه الظالم : للرجال حيلهم العلنية ، فلهم تنحاز السّماء . [ص 28] كلّ هذا نلمسه عبر صوت الراوي القيادي في هذا النص الشّعريّ ، و بالرغم من كلّ تلك الأمثلة أحبّ أن أقرأ النص على أنّه يترجم مئة انعكاس لوجه واحد في مرآة ماكرة .. وفق مبدأ (درويش) حين يقول في (جداريّته) : لم أجد فيهم سوى نفسي الغريبةِ ؛ هل أنا الفردُ الحُشُودُ ؟ أرشيف الجسد : يحفل النص بالجسد فكرةً و شبقًا و نشوةً . فهو – أي الجسد - يحضر دفترًا للبدء منذ أطوار الجنين الأولى ، مرورًا بولادته وحتى اصفراره كورقة خريفيّة على غصن شجرة يبس جذعها و نخرته الديدان .. ليكون في نهاية الأطوار الهُويّةَ الوحيدة : جسدكَ هو أنت ؛ جسدك هو معنى أن تكون أنتَ . [ص 70] و يحضر وفيًّا للفطرة الأولى ؛ تنهكه الشهوة فيشكمها بالتلذّذ ، وهو ما يمكن تسميته المتعة المؤقتة | الناقصة .. حيث تتكفّل الأنا بتمتيع أناها . كما تمتّع الأهواء نفسها بنفسها عبر الموسيقى على حدّ تعبير (نيتشه) . للجسد هيمنته وسطوته وجبروته ؛ إن حكى . وله حكاياته المثيرة في نهاراته ولياليه ؛ إن اُستُثِيرَ . وله أغنياته الجميلة المستلّة من محفوظات الذاكرة ؛ إن انتشى . [ص 69] ويحضر نشوةً كاملة حيث يتجاسد مع الآخر فتتقاطع الشهوتان وإن في برهة عابرة كافية ؛ إذ لا تحتاج النار الكاملة – في رأيي - لأكثر من طفل يحمل عود ثقاب . في تخوم سماء ثامنة ؛ تتجاسدان ولا تتجاسدان ، تتقاطع شهوتان .. فلا تلتقيان إلاّ برهةً . [ص 61] و فيما الشّاعرة – في نصّها الجميل هذا – لا تغفل عن الأبعاد الجماليّة لاستخدام مهمٍ كـ (الجسد) ؛ تجنح إلى الحذر – في بعض الأحيان - حدّ الابتعاد عن اللّحظة الشعرية الملتهبة ، وتغليب لحظة الحكمة المشوبة بالفلسفة . لا طمأنينة : الشّاعرة مهتمّة على ما يبدو بإثبات نقطة – من جملة النقاط الكثيرة – بأنّه لا مجال للاطمئنان إلى شكل قصيدتها ولا حتّى طريقة صفّها أو استخدامها لنوعيْ خطٍّ (عادي | غامق) . فهي تكتب هذا النص كما قدّمنا وفق الشعريّ المنثور و الشعريّ الموزون و السرديّ الواضح . وحين نقرأ العمل سنعتقد – بعد تجربة أوّليّة – أنّ الخطّ الغامق – وبعيدًا عن الأصوات والشخصيّات - يتكفّل بالموزون من الشعر ؛ ولكنّها تباغتنا في أن الاطمئنان إلى هكذا أمر ترفٌ لا تمارسه الشّاعرة . ومن الأمثلة على ذلك ؛ وفي أوّل استخدام لـ (الغامق) تتماهى الشاعرة مع بيت شعري تراثي لقصيدة شهيرة أظنّها لـ (البوسعيدي) .. والتي يقول في مطلعها : يامن هواه أعزّه ، و أذلّني كيف السّبيلُ إلى وصالكَ .. دلّني فيما تقول الشّاعرة : يا من هواه أعزه و أذلّني ؛ و أذلّه و أعزّني ، وأقامني .. في ظل عاطفةٍ تؤرّخ موتها بقيامتي ، و أماتني . [ ص 30] وفي موقع آخر تقول : هو أجمل الشعراء في تحرير سيرته .. بأغنيتين و قافيتين . أطولُهم ؛ ليقطف من حقول الغيب نجمته . [ص 50] ولكنها في الجزء الأخير من الديوان وفي عشر صفحات تمّت كتابتها بالنوع (الغامق) تجنح نحو السرد بأوضح أشكاله ، و كان يمكن أن تكون [معظم] الصفحات [62 – 71] وفق نظام الأسطر الكاملة لأنّها سرديّة خالصة بروح شاعريّة فذّة . البزق التركيّ : أحبُّ هذه الآلة الموسيقيّة لأنّها مميّزة و واضحة مهما كان ضجيج ما يصاحبها من آلات . و شاعريّة (سعديّة مفرّح) كالبزق التركي .. حنونة و واضحة و دافقة . شاعريتها تعلو و تخبو بحسب مزاج القصيدة ، ولا تغفل مطلقًا عن إقحام لذّة (البزق) دون ميعاد ؛ وكأنها تذكّرنا بالجمال الذي قد يخفت بريقه في حمّى المَشاهد . ومن أمثلةهذه الشاعريّة – بحسب ذائقتي - التي تنفلت فجأة من بين طيّات السطور لتعطينا جرعةً شعريّة كاملة .. جرعةً تختلف في سياقها عما سبقها أو ما سيلحق بها : تتبادلان الحيل البشريّة كلّها ؛ وتغتنمين فرصة سانحة لخلق حيلة جديدة . [ص 18] حالمًا بعالم أقلّ ازدحامًا ؛ و أصدقاء أكثر إخلاصًا و ظرفًا . [ص 20] تضعين عطرًا .. تعرفين أنّه لن يميّزه . [ص 23] انتصارك اليتيم في حروبكِ اللاَضروريّة . [ص 26] إنّها البدايات الغامضة ؛ وحدها التي تبرّر ذلك الفشل العظيم . [ ص 35] يكتبُ قصيدةً في مديح عينيكِ ؛ ويعيد صياغتها .. بوهجٍ من إعجابك الموضوعيّ . [ص 55] وغيرها الكثير مما لا يسعنا المجال لرصده . لمحات : * جاء الإهداء إلى أحد وجوه المرأة الكثيرة في النص .. وتحديدًا إلى الوجه الأكثر خسارة : إليكِ ؛ وأنتِ تنادمين العزلة بأقداح المعاني .. لعلّك تنجحين في محاولتكِ . * حفل النص بالرمز الديني ؛ و حاولت الشّاعرة المزاوجة بين عدّة أفكار و قصص بين تراثي و قرآني لتخدم صورها الشّعرية . فاستعملت مفردات كـ (البشر ، الإلهة ، السماء الأولى ، السماء السابعة ، الصلاة ، القسر ، المعراج ، الجب ، الغَواية ، الدود ، سفينة نوح ، المعجزات ، القيامة ، الأوّل ، الأخير .. إلخ ) . * يخلو الديوان و بشكل كامل من علامات الترقيم كالفواصل (،) و الفواصل المنقوطة (؛) و علامات التعجّب (!) و الاستفهام (؟) .. و استعاضت الشّاعرة بالنقطتين (..) للاستمراريّة ، و الثلاث نقاط ( ...) للصمت المؤقّت ، و تشكيلات معيّنة كـ (/ \) للفصل بين المقاطع الشعريّة . خاتمة : في الوقت الذي يُمجَّد فيه الهذيان على أنّه أعذب الشعر ، وتُرفع من مكانة بعض المواهب (المتواضعة) على أكتاف الذائقات ومنابر النفاق الإعلامي في الكويت و خارجها ؛ في هكذا أجواء قاسية على قلبي كان لقائي بـ (ليل) سعديّة المشغول بـ (الفتنة) .. لأخرج من هزيعه الأخير متلحّفًا بانتشاءٍ و رضًا . إنّ (سعديّة مفرّح) صوتٌ شعريّ هام ، وتجربتها الإبداعيّة (المكتملة) تزداد غَواية مرّةً بعد أخرى .. كثمرةٍ ناضجةٍ في صحنٍ من الفضّة الهادئة . نُشرت في مجلّة البيان الكويتيّة عدد آذار | 2009
|
|
وأعدوا لها ما استطاعوا ....... مقالات وبحوث ودراسات حول تجربة الشاعرة بعضها متوفر في الموقع حاليا ، والبعض الآخر قريبا .......
|
|