| |
سعدية مفرّح.. قصة المرأة وفجيعة الانسان بشعر حار نفاذ Tue Feb 24, 2009 10:16am GMT جورج جحاا بيروت (رويترز) - قراءة مجموعة سعدية مفرّح الشعرية "ليل مشغول بالفتنة" تشكل رحلة يواكب فيها المتعة الفنية العالية قدر من "الصعوبة الصحية" المبتغاة احيانا كثيرة والتي قد لا ينجح كثير من الشعراء في نقلها حية فتأتي تقريرية باردة اي غير شعرية. هذه الصعوبة -كما يرى نقاد وجماليون- هي التي تجعل القارىء شريكا للشاعر في التجربة الفنية التي يستعيدها القارىء او يستعيد شيئا منها من خلال العمل الفني. هذا لا يعني ان على الشعر ان يكون صعبا ليكون شعرا بل المقصود هنا ان كل خوض في شؤون فكرية ووجودية ونفسية وحتى اجتماعية عميقة هو كما قيل دخول في عوالم بعيدة الاغوار وغير مضاءة. ونجاح العمل الفني في هذا المجال يتمثل في دخول الشاعر الى عالم الغموض والصعوبة -اي ذاته التي تمثل الذوات الاخرى- والخروج منها بنتاج هو على ما قد يبدو من صعوبته.. سهل الا انه غير مبسط لان المبسط قد يقتل الايحاء ونقل التجربة الى نفس القارىء. والعمل الجيد -كما وصفه البعض- هو ذاك الذي يحمل معه "مفاتيح" ما يبدو من صعوبته ليحول ذلك الى متعة ومشاركة. هذا هو ما فعلته سعدية مفرّح في مجموعتها. لكن لابد من ايضاح ان كلمة "صعوبة" في الحديث عن المجموعة قد تكون شديدة. فالمقصود هنا هو ان القصيدة عندها لا تشبه "الطريق السريع" أو (الاوتوستراد) الذي في سهولته قد يدفع " السائق" الى حال من الملل. ففي قصائدها على القارىء ان يسير معها في طرق وشعاب متعددة احيانا تعدد شعاب النفس البشرية وما تكتنزه. المجموعة التي صدرت عن "الدار العربية للعلوم ناشرون" في بيروت حملت عنوان "ليل مشغول بالفتنة "وجاءت في 75 صفحة متوسطة القطع. مجموعة سعدية مفرّح الشاعرة والكاتبة ورئيسة القسم الثقافي في جريدة القبس الكويتية تبدو اقرب الى قصيدة او الى نشيد طويل واحد.. وتعدد حالاته يؤكد فكرة وحدته ولا يخرج عليها. تنوع ضمن وحدة.انها حالات ووجوه لما اصطلح على تسميته "الوضع البشري" وهو هنا وضع بشري شديد الارتباط بعالمنا العربي او الشرقي. هذا التخصيص هنا يجعل من هذا الوضع اشد ايلاما بل اقرب الى ما يشبه الفجيعة احيانا. تراوح سعدية مفرح هنا بين الخاص والعام بل تنتقل من الاول الى الثاني. الحالة البشرية الخاصة ليست كاملة الخصوصية.. انها اقرب الى ان تكون عامة في حديثها عن معاناة الانسان. تبدأ الشاعرة في الحديث عن امرأة. وعلى رغم "خصوصية" تقاطيع وجهها وملامحها فلنا ان نقرأ فيها امرأة الحاضر.. "حاضرنا" وامرأة الماضي دون شك. تهدي الشاعرة مجموعتها بقولها "اليك.. وانت تنادمين العزلة باقداح المعاني / لعلك تنجحين في محاولتك." القاريء هنا كما يبدو مصيب في ان يفهم ان الاهداء موجه الى شخص عزيز سبق له ان تذوق المعاناة او الى الذات في مخاطبة لها. ثم في مجال اخر يبدو ان القصيدة تخاطب تلك العزيزة الاخرى كما تخاطب الذات في عرض لتجربيتن متعاقبتين بينهما كثير من التشابه. المعاناة واحدة والظلم واحد والمشاعر والرغبات لا تجد طريقها فتبقى حبيسة في غالب الاحيان. بعد المقدمة تنتقل سعدية مفرح الى القول في تصوير متألق يتلاحم مع موسيقى كنبض القلب تسمع خفيفة حينا وتنساب حينا اخر متسارعة دون صخب او في تمهل كذكريات او احلام مستعادة.. كل ذلك يأتي منسوجا بخيوط احزان عريقة نبيلة. تقول الشاعرة ما يوحي بريح خفيفة اتية من عمق التاريخ او من بدايات التكوين وهي تنوح بهدوء كأنها اسى ينبع من فم قيثارة دهرية تحكي حكاية مسيرة الانسان.. حكاية امرأة. تقول "تجيئين../ مثل بلورة اصطفاها النور في منبعه الاول/ لتكون سره وكينونته/ مثل حصاة معتمة/ اهملت في طريق الرمل/ وهو ينبثق من تعب الجبال الهرمة/ مثل خيمة في اقصى حدود الريح/ تغني من اجل ان يعود الغائبون/ في غياهب الاسئلة السافرة/ مثل غيمة مثقلة/ بدموع لا تسقط/ الا في حضن جبل شاهق/ يتدثر بصفرة اعشابه/ اواخر اذار/ ولعلها مبدأ الريح ومنتهاه/ في رحلته المثخنة/ بجراحات النسيان الدامية." ولان القصة مستمرة في تعاقب اجيال من الالام تمضي الشاعرة مخاطبة الاخرى "الجديدة" في براءتها المتوهمة انها بتسلحها ببعض من زاد المعرفة والحرية اصبحت حالة "اخرى" مختلفة. تقول "تجيئين/ انت ايضا/ مثخنة بجراح النسيان الدامية/ بذاكرة متخمة بالوله المستكين/ وبعينين منتطفئتين الا قليلا/ تنسلّين من ضلوع امك الغضبى/ بخفة ومرح/ واجتهاد مستل من مقدمات الكتب وفهارسها/ لتقصي ضفائرك الطويلة ذات نزق دائم/ لعلها تزداد غضبا أو لعلها تسكت دون مبالاة حقيقية/... لكنها تنكسر باكية/ قبل ان تسترد طرف حبلك السري/ ثم تلوذ بصمتها الابدي." وهكذا يجد هذا القادم الجديد نفسه في وحدة مهما تعددت الوانها. انه يواجه مصيره بكل اعبائه وبجدية قاسية الصرامة. تختصر الشاعرة ذلك بالقول "تجيئين من لحظة ناجزة/ لتكوني المرأة الناجزة." وتمضي قائلة في تصويرية جميلة حتى الرهبة لتنقل الينا عالما تتراكم احزانه الدائمة لكن هذه الاحزان لا تبلغ نهاية.. فالنهاية دائما للانسان. تقول ناقلة ما يبدو حالة ادراك يتجاوز الكلمات الى الدخول في الطبيعة نفسها لتصبح سرا من اسرارها في ما يشبه حالة تحول الى شهرزاد لكنها من نوع اخر "تكتملين في دائرة الغضب الاعمى/ فلا تأبهين بالضوء/ اذ يتشظى منكسرا/ في لمعة عينيك الدامعتين... ولا بما يتكون في ثنايا اللمعة/ روحا اخر لكائنات اخرى/ تحفر قبورها ضاحكة/ من بلاغة الموت الموجز/ وتكتملين في دائرة المعنى/ فتبدو الالفاظ مجرد اشجار هرمة/ وتكتملين بالاسرار كلها/ في محيطات الدوائر المغلقة/ ليكون لك السر الاول والاخير/ به تحاولين ان تكوني المرأة الاولى والاخيرة/ في خضم الرجل الاول والاخير..." وفي مكان اخر تطل علينا في صورة "سيزيفية" من السعي المتواصل دون نتيجة. تقول "... تتوسلين دروبا اخرى/ لعلك تصلين/ تحاولين../ دائما تحاولين وابدا/ سادرة في محاولاتك/ بدأب شجرة تنمو/ وينبوع ما زال يسيل متخفيا/ بين صلادة الصخور بتؤدة..." قصائد المجموعة او نشيدها الواحد يتحول الى قصة مأساوية لا يمكن لاي شيء -حتى نهوض الجسد من "شيئيته" وفقا لتعبير سعدية مفرح الشديد الايحاء- ان يكتب لها اي نهاية جيدة. وتبقى الاسئلة عديدة والحسرات. تختم الشاعرة مجموعتها بصور مفجعة للوضع البشري ونهاياته " الصامتة" احيانا فتقول "... نحوك والرجل النائي/ يتهادى سرب من عطش/ وسراب من ماء/ ...تضعين رقبتك التي شعرت بالهواء القليل/ على مقصلة الاسئلة. فلا يجيبك الا انخطافا ابديا/ ونظرات خجلى/ودخان سجائر. "تضعين قلبك الذي تضاءل في موقعه الجديد/ على منصة القول/ لا ترينه سوى رماد قديم/ تضعين يديك المعروقتين/ على حافة البئر القديمة/ تنظرين فلا ترين سوى سراب متلاش.../ تروحين وتجيئين/ تروحين وتجيئين.../ تروحين/ تموتين/ لعلك..تموتين/ مدججة بقلب حي." رويتر ، جورج جحا ، سعدية مفرّح.. قصة المرأة وفجيعة الانسان بشعر حار نفاذ ، 24 فبراير 2009 رويتر ...
|
|
وأعدوا لها ما استطاعوا ....... مقالات وبحوث ودراسات حول تجربة الشاعرة بعضها متوفر في الموقع حاليا ، والبعض الآخر قريبا .......
|
|